فخر الدين الرازي

93

تفسير الرازي

لما لم يضف ذلك إلى نفسه بل قال : * ( وإذ قيل لهم ) * لا جرم ذكر ذلك بجمع القلة ، فالحاصل أنه لما ذكر الفاعل ذكر ما يليق بكرمه من غفران الخطايا الكثيرة ( ة ) وفي الأعراف لما لم يسم الفاعل لم يذكر اللفظ الدال على الكثرة . السؤال الخامس : لم ذكر قوله : * ( رغداً ) * في البقرة وحذفه في الأعراف ؟ الجواب عن هذا السؤال كالجواب في الخطايا والخطيئات لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام الأعظم وهو أن يأكلوا رغداً ، وفي الأعراف لما لم يسند الفعل إلى نفسه لم يذكر الإنعام الأعظم فيه . السؤال السادس : لم ذكر في البقرة : * ( وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة ) * وفي الأعراف قدم المؤخر ؟ الجواب : الواو للجمع المطلق وأيضاً فالمخاطبون بقوله : * ( ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة ) * ، يحتمل أن يقال : إن بعضهم كانوا مذنبين والبعض الآخر ما كانوا مذنبين ، فالمذنب لا بد أن يكون اشتغاله بحط الذنوب مقدماً على الاشتغال بالعبادة لأن التوبة عن الذنب مقدمة على الاشتغال بالعبادات المستقبلة لا محالة ، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا أولاً " حطة " ثم يدخلوا الباب سجداً ، وأما الذي لا يكون مذنباً فالأولى به أن يشتغل أولاً بالعبادة ثم يذكر التوبة ، ثانياً : على سبيل هضم النفس وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فهؤلاء يجب أن يدخلوا الباب سجداً أولاً ثم يقولوا حطة ثانياً ، فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى هذين القسمين لا جرم ذكر الله تعالى حكم كل واحد منهما في سورة أخرى . السؤال السابع : لم قال : * ( وسنزيد المحسنين ) * في البقرة مع الواو وفي الأعراف : * ( سنزيد المحسنين ) * من غير الواو ؟ الجواب : أما في الأعراف فذكر فيه أمرين : أحدهما : قول الحطة وهو إشارة إلى التوبة ، وثانيها : دخول الباب سجداً وهو إشارة إلى العبادة ، ثم ذكر جزأين : أحدهما : قوله تعالى : * ( نغفر لكم خطاياكم ) * وهو واقع في مقابلة قول الحطة . والآخر : قوله : * ( سنزيد المحسنين ) * وهو واقع في مقابلة دخول الباب سجداً فترك الواو يفيد توزع كل واحد من الجزأين على كل واحد من الشرطين . وأما في سورة البقرة فيفيد كون مجموع المغفرة والزيادة جزاء واحداً لمجموع الفعلين أعني دخول الباب وقول الحطة . السؤال الثامن : قال الله تعالى في سورة البقرة : * ( فبدل الذين ظلموا قولاً ) * وفي الأعراف : * ( فبدل الذين ظلموا منهم قولاً ) * فما الفائدة في زيادة كلمة " منهم " في الأعراف ؟ الجواب : سبب زيادة هذه اللفظة في سورة الأعراف أن أول القصة ههنا مبني على التخصيص بلفظ " من " لأنه تعالى قال : * ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) * ( الأعراف : 159 ) فذكر أن منهم من يفعل ذلك ثم عدد صنوف إنعامه عليهم وأوامره لهم ، فلما انتهت القصة قال الله تعالى : * ( فبدل الذين ظلموا منهم ) * فذكر لفظة : * ( منهم ) * في آخر القصة كما ذكرها في أول القصة ليكون آخر الكلام مطابقاً لأوله فيكون الظالمون من قوم موسى بإزاء الهادين منهم فهناك ذكر أمة عادلة ، وههنا ذكر